بين ليل هايتي الحزين، وصباح بيروت الموجع، ونهار أديس بابا الطويل!
هل بتنا نحتاج لكوارث موجعة، لنزيح عنّا الصدأ الذي بات يتفشى في مشاعرنا ويلتهم فينا إنسانيتنا على نحو مفزع!
هل صرنا جزءا ماديا لا يتجزأ من وسائل الإنتاج والإستثمار والتجارة والصناعة فتصلّبت أحاسيسنا، وبتنا لا نتحرك إلا مع عواصف مؤلمة تهزّ آدميتنا هزّاً عنيفا!
بين ذاك الليل الذي قضّ مضجع الفقراء في “بورت او برينس” وبين ذاك الجرح الذي قطّع أوصال البائسات في فجر “أديس أبابا” وبين تلك الصبيحة “البيروتية” المحرقة التي أتت على سواعد وجباه الباحثين عن لقمة عيشهم، لا فاصل إنساني ولا تقاطع جغرافي ولا تخاصم فكري أو مذهبي… إنه الفقر الذي يوّحد الفقراء حتى الموت، في كل أصقاع الدنيا… إنها لقمة العيش التي تدفع بالفقير المعوز أن يكافح ويناضل ومن ثم أن يستشهد ويموت في سبيلها!
قد يوقظ الوجع فينا صحوة ما، وقد يأخذ بنا الألم إلى حقيقة ما! وقد ينسحب الدم المعلّب فينا ليعاود دفقه بغزارة، لينبهنا إلى ما آلت إليه حياة الإنسان اليوم!
كارثة تلو أخرى والهدف الفقراء، وبؤساء الأرض، مصيبة تلو أخرى والحزن لا يسكن سوى عيون المحتاجين الحفاة العراة سواء في الأرض السمراء أو في بقية الدول الفقيرة، من مختلف القارات، وكأنما هو قدرهم في بيوتهم السكنية الخاوية التي تحلّقت فيما بينها وتلاقت على بعضها البعض تشكل حزام البؤس والقهر والمظلومين حول المدن الكبرى في عواصم العالم كله! لتكون عينا شاهدة ودليلا حسيا قاطعا على حضارة العصر، وإنسانية الإنسان، وشرعة الحقوق المدنية!
جميعنا نتسمر أمام شاشة التلفزيون عند وقوع الكارثة، قد نعيش حالة من الوجوم، وربما من الإحباط، قد تنسكب مشاعرنا دفعة واحدة، ونستيقظ على أن أخوة لنا في الإنسانية صارعوا من أجل لقمة العيش فصرعتهم، وقفزوا باتجاه الحياة فرمتهم إلى خنادق الموت، وبطن الأرض، وجوف البحر، أحبوا السماء والغيوم والأحلام، لكن تلك المسميات لفظتهم بعنف وقسوة من واحات أحلامهم، ومن حبات المطر الندية تنسكب على رؤوسهم!
لم نسعَ قبل المصيبة أن نعمّق أخوّتنا، مشاعرنا، أن نصدق في أحاسيسنا أن ننبذ المسافات التي تبعدنا، أن نقهر أسباب الفقر الذي يقهرنا، ويطردنا من أمان العيش، وأن ندرك أن بعضا من روحنا من جسدنا يتألم، وأن موتا محدقا إن طالهم فإنما هو في طريقه يمشي إلينا، وأن ما أصابهم من قدر ينتظرنا ويهدد مصيرنا ولو بطرق مختلفة! لأننا جميعا من مصير، من نسيج واحد!
كل الدول الكبيرة والمتقدمة تهبّ للنجدة والمساعدة والإنقاذ، تتنافس بقوة، تبرز الإمكانات الهائلة، والطاقات الكبيرة المخزّنة، كل تريد حتى في الكارثة أن تظهر بأنها الأقوى، وأنها الأعظم، لأنها تعرف أن العاصفة ستزول وأن الموتى سيدفنون، وأن المفقودين أرقام في عداد المجهول، ولكن الذي يبقى في الذاكرة والتاريخ للأقوى، أنهم غطوا ساحة الكارثة، بكل مهيب وجليل من عتاد وتجهيزات.
حبذا لو كانت المساعدة، لو كانت القوة تستهدف فقر الشعوب وعوزهم!
حبذا لو تجمعوا وتلاقوا قبل يوم من هبوب العاصفة الكارثة!
يا حبذا لو استفاقت الدول الغنية والمتقدمة قبل هبوب عواصف الموت، وتنافسوا على قهر أسباب العوز وآلام الشعوب!
أعرف أن المأساة التي تتكرر وتجدّد نفسها من وقت لآخر، تجعلني أعيش حالة من التداعي وربما من الهذيان الإنساني، ولكنه ضروري لنا جميعا هذا الهذيان، لأنه يغير شيئا فينا، ولو كان هذا الشيء بسيطا! يغيّر من كمّ تجاهلنا لمجريات عيشنا، ولكن دون أن ندرك حقيقة وكنه هذا العيش معا في إنسانيتنا!
عسى الهذيان الإنساني اللاوعي أن يشحذ الهمم بعد زلزال “هايتي” ليدرك العالم الأقوى، دول العالم الأقوى! كم من بؤس يغمر الأرض، وكم تميد الأرض في أجزاء منها بالمقهورين والمغلوبين!
وعسى طائرة لقمة الموت في “بيروت” توقظ رغبات التعاون والإلفة لإنقاذ وطن يحتاج للقمة الرحمة والفسحة والأمل والتواصل والحوار بين أبناء الوطن ليصير وطن المؤسسات ووطن البقاء والإقامة الدائم، لا وطن التهجير والترحال، ومحطة السفر !
وعسى أن تهب أنظمة أفريقيا لتدرك أن شعوبها تستحق العيش بكرامة، لا أن تطلقها وراء لقمة الموت في أماكن بعيدة أخرى، بعيدا عن أرض الجدود والسلف!
“لقمة الموت” ليست أسطورة خيالية هي مذ مطلع التاريخ البشري، عناوين إنسانية حملت المآسي وقصص الكفاح، وأشعلت الثورات، وبدّلت الحكومات، وصنعت أبطالا وحكايا، ولكن المنتصر في التاريخ الإنساني لم يكن الفقير، وإن حالفه الحظ في قفزة في غفوة الزمن، عاد وارتدّ عليه ليكون أكثر قسوة وأكثر عنفا وليتسع الفقر أكثر ولينتشر الجوع وتمتد مساحاته على مربعات أكبر، لذا لن ينتهي الفقر ولن تخلو الأرض من الفقراء كما كان حالهم مذ عمر البشرية مذ ملايين السنين! طالما أن قوانين الأقوى، تقتضي بالضرورة حتمية وجود الأضعف، وطالما أن الأقوياء يستمدون قوتهم من ضعف الفقراء والمعوزين، وطالما أن الفقراء يشتهون أن يبقوا فقراء إلى حين!
01.30التاريخ ونحن!
التاريخ ونحن!
تتمخض مجريات الحياة بحكم سيرورتها ودفق استمراريتها عن تشابك جملة من العوامل والأسباب فيما بينها لتصنع الوقائع، وتصيّر الأحداث، وبين السبب والمسبب وما بينهما من قبول أو رفض أو تصادم، تتحرك المسائل الحياتية لتصير حدثا ، ولتصير واقعة، ومن ثم لتتحول في نهاية الأمر بعد تراكم الوقائع وافرازاتها ونتائجها لتصير عقيدة أو نظرية أو إرثا وتراثا، ومن ثم حالة تاريخية، تتدرج لتأخذ بعدا سلوكيا أو ممارسة طقوسية تعلّب نفسها على نفسها، وتخلق كيانات خاصة، أو تنطلق من عمق الحالة التاريخية لتنمو وتتطور وتتفاعل مع حالات تاريخية أخرى!
لكن أغرب ما في الذات العربية هو انقسامها على نفسها، وممارستها لأفعال متنافرة مثيرة للجدل والإستغراب!
فتارة تتعاطى مع الأحداث والوقائع على أنها إرثا وتراثا تصلبّ وتجمّد في حدود زمنية مقدسة خاصة، وتاره أخرى على أن تلك الأحداث ليست أكثر من وقائع تاريخية، وبالتالي تسلم بأن يكون هناك قطيعة معرفية مع ما مضى من سالف الأحداث، باعتبار التاريخ يجدد نفسه وينولد تلقائيا مع كل حدث حصل أو سيحصل!
وعليه صارت الذات العربية متصلبة جامدة هامدة في ناحية، ومتحركة في ناحية أخرى، وما بينهما من حالات: تيه وضياع وغموض وإثارة، تنعكس تهميشا للطاقات والقدرات نتيجة مشاعر العدمية الناجمة عن قناعات طقوسية بالتراث، وفقدان للثقة لإنعدام تمكنها من إدراك واستخلاص التحول التاريخي المستمر والمتجدد وعدم تمكنها بالتالي من مواكبة مجريات الأحداث والوقائع التي تنطلق بسرعة هائلة مخلفة كمّا معرفيا يفوق قدراتها المتاحة على الإستيعاب!
هذا ليس عيبا أو نقصا يسجل على الذات العربية في حال قصورها على عدم إدراك وعيها للحالة التاريخية المعاشة، وإنما العيب والمأخذ في أن لا نعرف أين مكامن قصور الذات وأين الخلل في عملية الوعي!
من هنا فإن كل ما يطرح اليوم من مسائل وطنية أو قومية أو معيشية أو من ديمقراطية أو حضارية، ترى الذات العربية نفسها تقف أمامها متعثرة وعاجزة عن تقديم أي حل، ففي الحرية الفردية ومجموعة المفاهيم الديمقراطية، ترى غموضا وتنازعا داخليا، يصل إلى حالة النفاق فهي تقبل بالشكل، وترفض بالعمق، وفي أحسن الحالات تراها تعتمد الأمرين معا، وهذا هو الخطر القائم الفعلي لأنها يسلبها قدرة الإقدام والتشارك والتفاعل، ويبقيها خامدة مخدرة تحت تأثير الإرث المتوارث من كتلة المفاهيم السائدة المخزنة التي تحيا في أعماق تلك الذات!
وعليه فإن مسألة الحقوق والواجبات والسلام والحق الفلسطيني ووحدة الموقف العربي، وطموحات الشعب العربي، وعلى مقربة منها مسائل العلم والتطور التكنولوجي وغيرها من الإكتشافات والإختراعات العلمية تبقى مسائل تتعاطى معها الذات العربية بكثير من النفاق والإحتيال والخداع الوهمي، في عملية هروب واضحة، كذاك الخطيب الذي يعتلي المنابر في كل فرصة سانحة، ليؤكد ذاته وليس أهداف خطابه، ومضامين مشروعه!
لقد باتت الذات العربية غائرة غارقة في طياتها، حتى أنها باتت عاهة في نظر الإسلاميين الأصوليين أنفسهم، الذين تعف نفوسهم من ذكر “العروبة” وتأباها، على الرغم من أن الحالة الإسلامية نمت وترعرعت وصلبت واشتد عودها في حاضنتها العربية أولا!
إن كثيرا من المفاهيم التي تمس جوهر الذات العربية حاضرا ومستقبلا بات عصيا عليها، سواء على صعيد البيت العربي نفسه أم على الصعيد القومي أم على الصعيد الدولي ولعل الحدث الأقرب إلينا هو ما أشار إليه الدكتور كلوفيس مقصود وعقب عليه الأستاذ عدلي صادق:
ذهب الدكتور كلوفيس مقصود إلى ما ذهبنا اليه يوم السبت الماضي، عن مكامن خطر تضمنها خطاب أوباما، في الحفل الذي تسلم فيه جائزة نوبل للسلام. ففضلاً عن خلو ذلك الخطاب، من أية عبارة تتعلق بالسلام في منطقتنا، أو بالأسس التي يمكن أن يقوم عليها مثل هذا السلام؛ ذهب أوباما إلى وصف النزاع على أنه عربي يهودي ويزداد حدة.
أمام هذا الوعي نأمل من الحكومات العربية، التحرك العاجل، لكي لا يمضي أوباما في تكريس فكرة أن النزاع ديني، لا سيما أن حكومة اليمين العنصري في الدولة العبرية، تتحدث عن مضامين دينية وتطرح شرط الاعتراف بما تسميه “يهودية الدولة”.
نأمل أن يلتقط د. عمرو موسى، أمين عام جامعة الدول العربية، إشارة كإشارة الدكتورمقصود، لكي يتدبر مع حكومات الدول الأعضاء، مخاطبة جماعية لأوباما ألا ينزلق إلى مثل هذه التوصيفات، التي من شأنها أن تفاقم الصراع وأن تعيد الراغبين في تحقيق التسوية، إلى متاهات تشخيص الصراع، بعد أن طوى الحاكمون العرب- المعتدلون منهم- ، تلك المرحلة وركبوا أرجوحة الحل واستسهلوا مقارباته!!
والطريف ان أوباما، يستخدم التسمية الإسرائيلية للمسلمين باعتبارهم عربا،ً فقد كان الفائز بنوبل ومن ثم يتحدث عن صراع بين دينيْن، أحدهما “العربي” !؟ والثاني هو اليهودي. وهذا يُذكرنا بالايحاء الإسرائيلي من خلال التنميط الضدي للعربي، عندما تهون من أجل آيات ذلك التنميط، كل حقائق التاريخ والجغرافيا واحصاءات اتباع الأديان نفسها، فعندما كانت وسائل إعلام العدو، ولأية مناسبة، تعدد المجموعات العرقية في إسرائيل، فانها تشير إلى العرب والدروز، باعتبارهم قوميتين تفصل واو العطف بين اسميهما، علماً أن الدروز عرب أقحاح معلومون، متحدرون من قبائل قيسية ويمنية نزحت من الجزيرة العربية، لكن الإسرائيليين يريدون الإيحاء إلى أن هذه المجموعة المذهبية، هي في الخندق المضاد للمسلمين، وفي هذا السياق نفسه، تكون المسيحية العربية، وبضمنها المسيحية الفلسطينية، في كنف المسلمين والذين وُصفوا جميعهم بكونهم عرباًَ!
ولعلّ الأكثر طرافة، هو أن الإسلامويين أنفسهم، لا يطيقون كلمة العروبة. بل أن معارك هؤلاء، ضد العروبة كمشروع هوية وكإطار للنهوض القومي، كانت تزيد ألف ضعف عن معاركهم ضد المشروع الصهيوني. بل أن الاغلبية العظمى، من الجماهير العربية، ليست في وارد أي نزاع ديني مع اليهود، ولعل النزاعات المناطقية والاقليمية والمذهبية، بين بعض مكونات المجتمعات العربية، أقرب اليها من النزاع الديني مع اليهود، هذا هو الواقع، لكن الصهاينة يتعمدون المطابقة بين القلة الضئيلة، التي يمثلها الإسلام السياسي الذي يعتمد العنف، والعرب، ذلك لأن المطابقة بين العرب والتطرف الإسلامي، يوحي للعالم أن إسرائيل تواجه هذه الكثرة، وتكافح ضد ما يشكله العرب مجتمعين، من مخاطر على مستقبل وجودها بل وعلى مستقبل البشرية كما تحاول أن تجهد وتسوّق لذلك في كل فرصة سانحة!
بل على العكس حمل البعض من أبناء جلدتنا عاداتنا السيئة إلى قلب أوروبا من تزاحم على المرافق العمومية ومن اعتداء على الممتلكات العامة وإهمال للمحيط وعدم حرص على نظافته، وأدى الانكفاء على الذات الذي آثره الكثير من مهاجرينا إلى تشكيل أحزمة للفقر حول بعض المدن الأوروبية، وبعض المربعات السكنية الأمريكية، والتي باتت تشتهر بانتشار الجريمة فيها حتى اصطلح في فرنسا مثلا على تسميتها بـ”الأحياء الصعبة” في إشارة إلى صعوبة ضبطها أمنيا.
والأدهى من ذلك أنّا نقلنا إلى المجتمعات الغربية “معاركنا” التافهة و” آفاتنا” من صراعات مذهبية وحزبية، وقطرية، حيث لم تخل مدينة في هذا الغرب من منظر انكساراتنا الوطنية والقومية والدينية!
كذلك انخرط مسلموا المجتمعات الغربية وبعضهم من الطبقة المثقفة في معارك حول قضايا هامشية في الفقه الإسلامي، مثل معركة النقاب التي نجحت دوائر غربية في تفجيرها مؤخرا، وانجر إليها هؤلاء عن غفلة وسوء فهم غالبا، منصرفين عن قضايا جوهرية، ولسائل أن يسأل إن كانت المرأة المسلمة قد تجاوزت في بلدانها الأصلية، وفي بلدان إقامتها، قضاياها الحيوية من صحة وتعليم وسواهما لتخوض في معارك النقاب في ساحة غير ساحتها، بل حتى أن مسألة الحجاب نفسها لم تحسمها حسما جذريا في أوطانها الأم ؟
والأدهى أن نفرا ممن يدعون الإسلام نقلوا مفهوم وفلسفة العنف باسم الإسلام، من خلال عمليات دموية في باريس ولندن ومدريد ونيويورك وواشنطن وغيرها، ولا يبدو اليوم، وبعد مضي سنوات على تنفيذها، أن أصحابها غنموا من ورائها أي مكسب، بينما تبدو خسائر العرب والمسلمين فادحة من جرائها بخسارتهم الكثير من الأصوات الأوروبية المنصفة والمساندة لقضاياهم، بدليل أن العداء للإسلام والمسلمين لم يعد حكرا على بعض الدوائر السياسية والإعلامية والفكرية الغربية بل امتد إلى الشارع، وما الاستفتاء السويسري الأخير سوى المعادل العملي لذلك العداء.
إن ما حدث في سويسرا يمكن أن يكون بداية لحصار أوسع للإسلام وأهله في أوروبا، وهو ما توحي به ظاهرة صعود اليمين الذي بدا في السنوات الأخيرة أنه يكتسح مواقع القرار الأوروبية بسرعة. الأمر الذي يستدعي من إعلاميينا ومثقفينا وساستنا بذل جهد منسّق في الدفاع عن عقيدتنا بوجهها الحضاري المتسامح، بعيدا عن منازعة شيطنة الآخر وتكفيره، كما أن على كل فرد من أمتنا مسؤولية تقديم صورة أفضل عن دينه وحضارته.
مصلحة لبنان وسوريا أقوى من خنادق الثامن والرابع عشر من آذار!
يا لروعة ” النَّفَس” السعودي – السوري ويا لقدرته السحرية العجائبية عندما ينفخ في الساحة اللبنانية، فيحرك أحداثها ويدب القدرة في أوصال أطرافها، ويدفع بالدماء تجري سريعا في عرو ق حكومة تجمدت من أشهر طويلة! حتى كاد اللبناني يتعوّد على أن الحياة في وطنه ممكنة ولو بدون حكومة! وأن ليس في الأمر لا عجيبة ولا استغراب! فكل شيء في لبنان جائز، وأن لبنان إذا لم يكن كذلك فليس هو لبنان!
اندثرت عصا “موسى” السحرية، وتلاشت في طيات عتق الزمن الغابر، وانسحق ” فرعون” في قعر البحر ” الميت” وتبدلت الحالة الشرطية، في الوعي السياسي اللبناني، فاستفاق هذا السياسي وعلى وجهه شبكة من الطلاسم، والتي صارت ألغازا مبهمة في حياة المواطن اللبناني العادي، فكانت صحوة غامضة على حقيقة جديدة هي غير تلك الحقيقة التي جرّته معها بعيدا إلى عواصم مراكز القرار… نهض من غيبوبته الطويلة، وتحولت المجزرة الآثمة الرهيبة التي أودت بحياة الرئيس الشهيد “رفيق الحريري” ورفاقه من حقيقة كارثية مرّة، وإلى ما أعقبها من تطاير شظاياها القاتلة للوطن والمواطن، إلى مجرّد كابوس نرويه على صفحات الكتب، ونستشهد فيه من وقت لآخر في التعقيب على حوادث جرت في الوطن من خلال أعمدة الصحف، أو نستذكرها في جلسات حوارنا العقيمة النفع والفاقدة لكل خلاصة أو هدف، فكل شيء بات مدبّرا بحكمة، أو يمضي على هذا النوع من حسن “التدبّر”، فالجريمة غُرَّبَتْ إلى “الخارج” الدولي ، والخارج ينتظر توفر حالات خاصة جدا في “الداخل” اللبناني، والداخل يتخبط في تيه أزمته وأسبابها الوطنية في المأزق “الإقليمي” فطاب للكل الرقص في حلبة الضياع المغلقة التي دخلها رضيا قانعا، ففرّت الحقيقة إلى الفضاء الرحب، وهيهات هيهات من التقاطها واستعادتها إلى الأرض ثانية!
لقد أطلقت المجزرة في حينها غيومها المسمومة المشحونة بالبغضاء، تساقط غبار الجريمة الآثمة، رمادا غلف العقل السياسي اللبناني الموالي والمعارض - مع التحفظ على ما تعنية هاتين اللفظتين- والمواطن العادي البسيط في ذاك الوطن، فتوزّع الناس إلى “أكثرية” وإلى ” معارضة”… ومن ثم ليتعمق المشهد السياسي أكثر فأكثر وليزداد حدّة مذهبية وطائفية أكثر فأكثر، ومن ثم ليتخندق كل من ناحيته في “خنادق” الثامن من آذار والرابع عشر من آذار، ولتنقلب المفاهيم الروحية والوطنية والأخلاقية جميعها دفعة واحدة وعلى نحو مريع، فتصير “سوريا” الشقيقة المميزة عدوا لدودا أين منها “إسرائيل”!
ولتصير “طهران” هيهات منها “تل أبيب”!
ولتصير” إدارة الرئيس جورج بوش” أكثر غيرة من اللبنانيين على أنفسهم!
ولتصير “العواصم” بعض مها عربية وآخر اقليمية فضلا عن الدولية هي المرجع والوعد والعهد والأمان!
لم يتقصّد العقل السياسي اللبناني أن يجهد في تفكيك خيوط المؤامرة بل عمد إلى إبقاء ناظريه دون تلك الغيوم تلك الدموية المتعددة الإتجاهات في طيات سماكتها، كما وفضل البقاء في حالة جمود وربما ذهول وربما عجز عن التقاط أوملامسة عمق تلك الأهداف القاتلة، فأسقط من فكره مقدرة الإجتهاد والبحث، وتوقف العقل عن استشعاره واستشرافه بالقادم الخطير!
نحن نسلّم ببعض الخطوات البريئة – ربما- ونمضي مع العقل السياسي اللبناني ومع اندفاعة المواطن الفطرية الصادقة التي هزّته الجريمة النكراء في بدايات ردات فعل أقل ما توصف به بأنها مشاعر حزن وغضب واسى، ومن ثم أن يحمل ويتهم كل أشكال الأنظمة الرسمية الأمنية مسؤولياتها، وفي أن يرفع صوته ، بل وأن يتصدى ويحصي ممارسات واشكال التجاوزات التي قامت بها أجهزة أمن قوات الردع العربية السورية وغيرها… ولكن أن تصير سوريا عدوة لبنان بالمطلق فهذا هو الإنحراف القيمي بحد ذاته! ومن ثم أن يتم الإستقواء بالمواقف والضمانات الإسرائيلية وما تفرزه خطوات شبيهة أخرى مرتبطة بالمصلحة الإسرائيلية على نحو غير مباشر،
فهذا ما لا يمكن فهمه حتى الساعة!
بل وأن تتلون فتلونت الشعارات والطروحات وتتبدل المقاييس، ويصير المقاوم لإسرائيل في عدوانها على لبنان والشعب الفلسطيني وعلى الحق العربي مخربا وإرهابيا وعميلا سوريا وإيرانيا! فهذه لا يمكن فهمها أو تفسيرها إلاّ
في عقل سياسي يتسم بالجهل والضعف والهزيمة والقصور نفسه!
إن الخطر الأكبر الذي كان يتربص بلبنان وطنا ومواطنا كان يكمن في انقلاب تلك المفاهيم في الخطاب السياسي رأسا على عقب لكونه خطابا متدنيا وخطرا في آن، انولد كنتيجة لتلك التكتيكات السياسية التي لجأ إليها البعض من باب “الفذلكة السياسية” زعما منه أنه يحقق شروطه المنفعية التي توصله إلى أهدافه المصلحية، في حين أنه لم تكن في جوهرها إلا جزءا من مشروع يخدم أعداء لبنان ونهضة لبنان وقيامة لبنان بعد الكارثة الزلزال التي استهدفت أمنه ووجوده وكيانه واستقلاله، تلك الشعارات التي لاكها العقل السياسي واستخدمها كل طرف في معاركه ضد الطرف الآخر، واستثمرها على نحو بخس فرّغها من قيمها الفعلية، وعلى نحو مثير للشك والريبة وعدم الإطمئنان!
ما أود ّ التنبه إليه في هذه المراجعة لبعض ملامح المرحلة السابقة هو أن مرحلة سياسية أخرى تتكون وتستعد لقابلية الحياة مع ولادة الحكومة الجديدة برئاسة الشيخ سعد الدين الحريري، تخرج لبنان من متاهات “خنادق” الثامن والرابع عشر من آذار، وتجعله متقدما عليها، شرط أن يأخذ السياسي اللبناني جانب الإلتزام الجدي والمسؤول بالقيم الوطنية والمواطنية اللبنانية والعربية السليمة التي تلاعب بها ردحا من الزمن وأن يعيد تصويب علاقاته وتوجهاته، لاسيما ما تم تخريبه منها على صعيد الداخل اللبناني، وأن تكون فاعلة في ترميم شبكة العلاقة المواطنية وإزالة ما تجمد وصلب من الشوائب في نفوس المواطنين من مناطقية ضيقة ومشاعر احتقان مذهبية وطائفية غرائزية حاقدة، وأن يكون الحوار والتواصل عنوان هذه المرحلة الجديدة، لا “التخندق” في متاريس تحت أشكال ومسميات الصراع المفتعلة…
قد يقول قائل “متفذلك”: أنه لو لم يكن هناك الرابع عشر من آذار وأكثريتها الساحقة في التصدي “للدفاع” عن لبنان…! وأنه لو لم يكن هناك الثامن من آذار وصموده على الساحة “لحماية” لبنان…! لما وصلنا إلى ما نحن عليه الآن، من حكومة وفاق وطني وعودة العلاقة المميزة مع الشقيقة سوريا على أسس جديدة من الثقة والأمان…
أجيب أن الحقائق تبقى نسبية، لكن شيئا واحدا يجب أن يدركه كل سياسي شريف ومواطن مخلص وهو: أن الوطنية والهوية والعروبة مسألة ينبغي أن لاتخضع للنسبية ولا لفرضياتها، لأننا عندها نقد حقنا في الوطن والوهية والقومية والإنسانية….
فالتاريخ الحقيقي علم وقائع، وليس سردا لأوهام وآساطير مركبة، والجغرافيا بعد مادي حسي ملموس يعيش فينا ونحيا فيه…
لذا يكفي أن يبقى لبنان ساحة تجريب – تخريب- لطروحات نظريات السياسي اللبناني الهوجاء والغوغائية المبهمة والتي حكما ستصطدم بالتاريخ والجغرافيا الفعليين لتؤكد أن مصلحة الشعبين اللبناني والسوري أقوى من الثامن والرابع عشر من آذار، وأن مصلحتهما الحياتية والحضارية حاضرا ومستقبلا فوق نظام حكم البلدين أيا كان حجم ونوع كل من النظامين في هذين البلدين وسواء كانا متفقين أم متباعدين أم متخاصمين!
السلام العربي والأمن الإسرائيلي
أي سلام لا يعبر من فوق قنطرة الأمن الإسرائيلي لن يكون سلاما!
وأي سلام لا يمر في الدهليز الرسمي العربي “المعتدل” لن يكون سلاما!
من هاتين المسألتين المتموضعتين في الذهنية السياسية لقادة إسرائيل تنبثق كل الإجتهادات والمساعي سواء على المسار الإسرائيلي – الفلسطيني أم على المسار العربي – الإسرائيلي أم على مسار الحل الشامل في منطقة الشرق الأوسط وصولا إلى طروحات المبادرات الدولية ولاسيما الأمريكية منها!
وإذا كنا ندرك في مسألة أمن الكيان الإسرائيلي طبيعة ما تسعى إليه إسرائيل من أي سلام وما يترتب عليه من خطوات في ترسيخ هذا الكيان، فإن ما يبقى غامضا ومبهما ومريبا هو حقيقة الهدف الذي يرمي إليه السلام العربي ويسعى لتحقيقه والذي ترفع لواءه النظم الرسمية التي أدرجت نفسها منذ مدة تحت مسمى منتج جديد يعرف بـ “دول الإعتدال”!
فإسرائيل ما تزال تتمسك بخطابها السياسي بأن القدس عاصمة تاريخية للدولة العبرية!
وإسرائيل تصر على تقطيع أوصال أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة وفي غزة! وتحويلها لمجرد جزر أمنية صغيرة جدا، طرقاتها مجرد معابر أمنية وساحاتها حواجز عسكرية وكل ذلك تحت رقابتها وإشرافها المباشرين!
وإسرائيل ما تزال تسعى إلى تهويد القدس بما في ذلك مسجد الأقصى نفسه! وتحاصره بالعقارات المستملكة وبالمستوطنات المستحدثة وبخليط من الوثائق المزيفة، وبتسعير الصراعات الجانبية وتغذيتها فلسطينيا وعربيا وإقليميا! مستفيدة من كل حالة توتر قائمة على الساحة الدولية لتؤكد أولويات استراتيجتها الأمنية!
لذا فإن أي قيام أي مصالحة فلسطينية فلسطينية ينبغي لها أن تمر من المعبر الأمني الإسرائيلي أولا قبل أن تسلّم بها وتقوم بتسليمها إلى الأطراف الفلسطينية المعنية بالمصالحة بما فيها من يأخذ على عاتقة رعاية المصالحة، وإلا فلن تكون هناك مصالحة فعلية! فمكاسب إسرائيل مما يجري على الساحة الفلسطينية من تشرذم ونزف وتقاتل وتقاسم على النفوذ وعلى السلطة، هي في حقيقتها مكاسب أمنية وذات مردود مثمر لمخططها هذا، أضف إلى أنها صارت لاعبا محوريا في البيت الفلسطيني الداخلي نفسه!
وهناك الوضع اللبناني الذي بات منذ حرب تموز جزءا من استراتيجيتها الأمنية المركبة حيث يتقاطع فيها اللبناني والإقليمي معا، طالما لم يحسم أمر سلاح ” حزب الله”، وطالما هناك سورية، وطالما هناك ايران، وربما تركيا التي بدأت تخطو خطوات بدأت تحرك مكامن الريبة وعدم الثقة والطمأنينة في نفوس المسؤولين الإسرائيليين، فالتقارب السوري التركي ومن ثم التفاهم التركي الكردي، مع ضبابية المنظر العراقي وعدم تمكنها من الركون والإطمئنان إلى هذا البلد على عكس ماكانت عليه حالة الإسرائيليين إبان غزو العراق والسنوات القليلة الماضية…
لذا فإن قيام أي حكومة لبنانية أو قيام أي حالة عراقية لا بد من استشرافها أمنيا من وجهة النظر الإسرائيلية عبر لاعبين دوليين فاعلين كانوا وما يزالون وكلاء لها في الجانب الذي يمس أمنها… كما هو قائم اليوم مع “المسألة النووية” الإيرانية، فهي ترى أن الأمور تجري لصالحها في حصار إيران وتفريغها من لائحة الدول النووية لتبقى الدولة المطلقة السيادة في المنطقة!
طبعا المسار الأمني الإسرائيلي لا يقف عند حدود ما ذكرنا بل هناك اهتمامات استراتيجية أمنية في أفغانستان والمستجدات في باكستان، واليمن، والقرن الأفريقي، ولاسيما في السودان…
فخارطة الأمن الإسرائيلي مسألة بالغة الضرورة وبالغة الأهمية الإستراتيجية لتطوير كيانها والحفاظ على وجودها كدولة نافذة فاعلة…
لذا فهي لم تعد تنظر إلى مبادرات السلام العربي على أنها أولوية في استراتيجتها السياسية العامة، بل سارت في طريق يختزل الوصول إلى تلك المبادرات عبر تعزيز استراتيجياتها الأمنية في أكثر من منطقة ومكان في العالم، لتحصل بالنتيجة على مردود أمني أفضل مما كسبته من اتفاقيات سلامها مع الفلسطينيين والمصريين والإردنيين حتى الآن، فهي تعمل أمنيا وبحرص شديد على أن تبقى الدولة الأقوى والأكثر تفوقا بين جيرانها من الدول العربية، وعلى أنها الدولة الأكثر ثقة من خلال شبكة علاقات استراتيجية أمنية مع الدول المحيطة بها من أفريقيا وآسيا ولاسيما الفقيرة منها، لسهولة التحكم بالولوج إلى مواقع قرارها…
في المقابل يبقى السلام العربي المنشود، نبرة رسالية خطابية تطلق في المحافل الدولية وفي المناسبات العامة لا يسمعها إلاّ مُطلقيها من فعاليات النظام الرسمي العربي، والتي لا تلقى أكثر من استحسان متواضع للغاية من قبل بعض الدول الأوربية والولايات المتحدة، والتي يستشهد بفتات من بعضها من قبل مبعوثي تلك الدول لتحريكها من حين لآخر، إذا اقتضت المصلحة الأمنية الإسرائيلية ذلك!
ومن هنا فإن إدارة الرئيس باراك أوباما الملتزمة بـ “خاصيّة إسرائيل الأمنية”، وفي المقابل التأكيد على أنها حريصة مع حلفاءها من الدول الأوربية على أن لا يحصل المزيد من التوتر بين إسرائيل وغزة، من جهة، وبين إسرائيل ولبنان من جهة أخرى، كثفت من الجهود الديبلوماسية وغيرها لمنع إسرائيل بالقيام بأي عمل عسكري كبير كما جرى في حرب غزة الأخيرة، أو كما جرى في عدوان تموز على لبنان، حيث المسار الحكومي اللبناني يشهد تعثرا واضحا ولكنه مقبولا ومرضى عنه دوليا ومن دول الإعتدال العربي الرسمي - على عكس ما جرى أيام عهد الرئيس اميل لحود حيث تركزت حملات مكثفة ومضادة على نهجه وعدم ارتياح الدول الغربية وبعض الدول العربية على طريقة إدارته البلاد- ومن هنا فإن الطريقة السلحفاتية في تشكيل الحكومة اللبنانية برئاسة الشيخ سعد الدين الحريري لم يعد لها من مبرر غير تأمين عامل الثقة بعدم تجدد الأعمال العسكرية على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية في ظل الظرف القائم حيث أن حزب الله ما يزال يملك زمام المبادرة الفاعلة، في حال أي عدوان إسرائيلي… ومن ثم تحقيق الغرض بضرورة تطويق حركة حماس بمصالحة فلسطينية تحدّ من مخالبها في مواجهة الإسرائيليين…
فعودة الصراعات المسلحة وما يعقبها من حروب تدميرية إسرائيلية باتت هي من العرف والتقليد والسلوك الأخلاقي العسكري الإسرائيلي ضد المواطنين، سيحرج الرئيس أوباما وأركان إدارته لاشكّ محليا وعربيا ودوليا، ويعود بالمشهد السياسي الأمريكي إلى سابق عهده أيام الرئيس الأسبق جورج بوش وتذهب الآمال ووعود التغير إلى غير رجعة ويبقى الوجه الأمريكي هو نفسه نفسه… وهذا ما لا يرضاه البيت الأبيض على الأقل في فترة ولاية الرئيس أوباما الأولى!
الأزمة قائمة طالما لم تعد الثقة إلى النظام المالي العالمي
تفاقم عديد العاطلين عن العمل هنا وفي دول العالم، وانهارت مؤسسات مالية ومصرفية وأغلقت بنوكا في مختلف أرجاء الدول الأخرى، وجرفت الأزمة معها آلالاف العائلات إلى ما دون خط الفقر، بعد أن ضاعت فرص العمل والوظائف مع إغلاق كبريات المصانع والمؤسسات الصناعية، أو مقاربتها حدود الإفلاس، فيما غرق ملايين البشر والذين كانوا من الفقراء أصلا في مستنقع العوز والحاجة لأدنى متطلبات العيش، ومقوّمات الحياة، ورغم بعض التباشير الصغيرة، بقرب انفراج الأزمة المالية التي ترافقت مع بعض مؤشرات النمو في بعض القطاعات الدولية هنا وهناك، إلا أن المعضلة قائمة، والإنفراج ما يزال بعيدا، وقد يجتاز عتبة عام ما بعد العام القادم 2010…
وعلى وقع رسم هذه الصورة القاتمة تنعقد قمة مجموعة العشرين في “بيترسبرج” علها تجد بارقة أمل في بعض التقدم لما سبق وأعلنته من خطوات في التصدي للأزمة المالية خلال لقاء لندن في نيسان / ابريل الماضي، وسط مخاوف من تجدد الخلفات النائمة إلى حين حول طبيعة الوسائل الواجب اعتمادها لتفادي تكرار هذه الأزمة، لاسيما وأن عمق الأزمة بات مرشحا لتنشيط جولات من الحروب الجانبية الصغيرة، ولتصدير حركات إرهابية، وتوليد أخرى في البلدان الفقيرة، التي تجد نتيجة تعمق الأزمة دوليا دافعا وحافزا لتنشيط وتجنيد خلايا قديمة وجديدة تحت شعارات كثيرة أهمها: شعار تجويع العالم وحشد كل الإمكانيات والطاقات للإندفاع نحو توترات داخلية ضد النظم الرسمية القائمة في بلدان العالم الثالث، أو ضد البلدان المجاورة، أو ضد النظم العريضة الواسعة على الساحة الدولية، وتحديدا ضد الدول والبلدان الغنية، حيث أن الواقع يشير إلى مزيد من اتساع الهوة بين دول العالم الغني ودول العالم الفقير، وأن الصراع لن ينحصر بين الشمال والجنوب، وإنما سيمتد الشرق والغرب أيضا، فالأزمة المالية دفعت بالتناقضات الخامدة، إلى الظهور تدريجيا، والتحدث بها صراحة بعد أن كان التعبير عنها يتم لمسا وهمسا وغمزا كما هو الواقع الذي كانت عليه العلاقة بين الصين والولايات المتحدة وما هي عليه الآن، وهذا على سبيل المثال وليس الحصر إذ أن علاقات دولية كثيرة تنحى على هذا النحو الذي ذهبنا إليه…
لقد أصبحت مسؤولية إصلاح النظام المالي من “لندن” إلى “بيتسبرج” مسؤولية كبيرة تواجه الجميع وفي مقدمتهم قادة مجموعة العشرين، وأنه بات لزاما وضع خطط الإنعاش والإستراتيجيات العملاتية للخروج من الأزمة فقد وعدت مجموعة العشرين في لندن بـ “بذل الجهد اللازم من أجل عودة النمو”. وتم إعداد خطط إنعاش بلغت قيمتها الإجمالية خمسة آلاف مليار دولار لا يزال يتعين تنفيذ نصفها. وسمحت هذه الخطط بالإبقاء على 11 مليون وظيفة هذا العام لكنها لم تمنع تفاقم البطالة. وكانت المجموعة قد أعربت في لندن عن الأمل في وضع “استراتيجيات خروج -من الأزمة- ذات مصداقية”. ويتوقع أن تلح قمة بيتسبرج على تنسيق هذه الخطط وألا تكون سابقة لأوانها.
إصلاح الضبط المالي
كما أكدت تلك المجموعة على ضرورة إصلاح التدابير التي من شأنها إصلاح الضبط المالي عالميا وكانت قد أكدت في حينه على أن “الثقة لن تعود طالما أننا لم نعد الثقة إلى نظامنا المالي” ووعدت بتنفيذ سلسلة من الإصلاحات.
لكنه وحتى الآن ماتزال نقاشات كبرى بشأن التنظيم المالي تجري ولا شيء يؤكد على الولوج الفعلي نحو عمق الأزمة لإيجاد الحلول الناجعة…
فعلى سبيل المثال ومما يمكن استخلاصه من مختلف وسائل الإعلام والتعليقات والإنتريت وتقارير قناة الجزيرة الإقتصادي يمكن التوقف أمام أهم ما يمكن أن يكون مدار جدل ونقاش في قمة العشرين، وبداية ما يتعلق منها بشأن المكافآت حيث تتفق البلدان على مبادئ التمديد أو عدم الدفع في حال حصول نتائج سيئة، غير أن الأوروبيين يريدون الحد من هذه المكافآت وحتى تحديد سقف لها، الأمر الذي يرفضه الأمريكيون. وتحدث الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الأشد تحمسا لهذا الأمر، الجمعة عن موقف “مرن” من مقاييس الحد من المكافآت ما يبدو أنه تمهيد للتوصل إلى توافق، حيث يفضل الأمريكيون بحث القضايا ذات الطابع التقني مثل الزيادة المنهجية للأرصدة المطلوبة لدى المصارف، غير أن الأوروبيين يعارضون معتبرين أن قواعد المحاسبة القائمة في الولايات المتحدة، التي تشكل موضوعا آخر للنقاش لا تخدم المصارف الأوروبية.
من جهة أخرى يبدو أن هناك توافقا يرتسم بشأن عدد من النقاط مثل قيام المصارف بصياغة “مذكرة ـ وصية” خاصة بها بهدف حماية دافعي الضرائب. وتتيح تلك المذكرة للدولة التدخل بسرعة لتفكيك البنوك الكبرى أو إعادة هيكلتها. وكانت كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا قد طرحت هذه الفكرة في قمة مجموعة العشرين الأخيرة.
الملاذات الضريبية: كانت قمة المجموعة في لندن قد أعلنت أن “عهد السرية المصرفية انتهى”، وأطلقت عملية نشر للائحة “رمادية” للبلدان غير المتعاونة. ووقع عديد من الدول بروتوكولات تبادل معلومات ضريبية. وتم اعتماد مبدأ عقوبات بهذا الشأن بداية من آذار /مارس 2010.
رؤوس الأموال المضاربة: أعربت قمة مجموعة العشرين في لندن عن الأمل في أن يتم تنظيم أكبر لهذه الرساميل مثل البنوك الكبرى غير أن النقاش مستمر بهذا الشأن بما في ذلك بين الأوروبيين، إذ إن بريطانيا لا ترغب في كثير من إجراءات التضييق بهذا الصدد.
مشتقات القروض: اعتبرت أحد عوامل الأزمة المالية وحصل تقدم لجهة ضبطها منذ نيسان (أبريل) 2009. ففي الولايات المتحدة نص مشروع قانون لا يزال يحتاج إلى موافقة الكونجرس على أن يتم وضع معايير موحدة لها وتبادلها عبر “غرف تعويض” تتيح تجنب المخاطر المرتبطة بهذه المنتجات. وتجري مشاورات بشأن إقامة غرفة تعويض لمنطقة اليورو.
لقد عززت قمة العشرين الأخيرة في نيسان/ أبريل في لندن دور صندوق النقد الدولي وموارده وحثت على إصلاح تركيبته، وقد جمع الصندوق الـ 500 مليار دولار من الموارد الإضافية المؤملة في نيسان /أبريل وذلك لأن الدول تريد أن تظهر بمظهر جيد قبل إصلاح نظام الحصص المقرر في كانون الثاني /يناير 2011، حيث يتوقع أن تخفض حصة الإتحاد الأوروبي لمصلحة الدول الناشئة.
ويسعى الأوروبيون إلى كسب الوقت في هذا النقاش السياسي بامتياز وذلك من خلال المطالبة بتحاليل مفصلة جدا لاحتساب الحصص… المهم أن يخرج المجتمعون من مساحة الجعجعة إلى حجر الطاحون، وعندها لا نسمع جعجعة بل نرى طحينا ينتظره الشعب الأمريكي كما بقية شعوب العالم الأخرى…
تعالوا إلى كلمة حق تقال فينا وفي أحوالنا!
يقال عنا نحن أبناء الجالية الأمريكية العربية الكثير وترمى علينا العديد من الصفات من قبل مواطنينا ومن قبل المجموعات الأثنية الأخرى الذين نشاركهم ونقاسهم الوطنية والهواء ومكان العمل والمدرسة والجامعة والساحة والطريق والملعب.
من هذه الأقوال ما هو الجميل ومنها ما هو القبيح، ومنها ما هو الحسن ومنها ما هو السيء ، فهذا ليس بالأمر الغريب ولا العجيب لأنه كحال مزاجنا عندما نتحدث بدورنا عن مجموعات أخرى…
ولكن ما أتوقف عنده هو ما الذي ينبغي أن نقوله نحن في أنفسنا، وفي أحوالنا!! فإن صدقنا القول في ملامسة ما نحن عليه، نكون قد نجونا من التلاعب والغش على الذات، وإن تجاهلنا الأمر واعتبرنا أنه لا يعنينا، لا نخسر شيئا لأننا اعتدنا على أن نتصالح مع كل السلبيات التي تغزو ذاوتنا، وبقينا على ما نحن عليه، فلا شيء لدينا لنخسره طالما أنه لا يمسّ بأنماط ما تعودنا عليه…
تعودنا أن نقيس قرب أو بعد المسافة من المسائل المصيرية العامة من حولنا من خلال مدى منفعتنا الشخصية البحتة ذات المردود الحسي المباشر والسريع علينا، فإن صادفتنا مسألتان في نفس الوقت، الأولى: تدرّ علينا النتيجة آنيا، وإن كانت بخسة المردود، والثانية: تعطينا أضعاف الأولى ولكنها تحتاج لبعض الوقت ولبعض الجهد، لأخترنا الأولى وفضلناها على الثانية! وعلى سبيل المثال لا الحصر، لو وجهت إلينا دعوة لتناول “فطور” صباحي أو “غداء” نهاري، أو لو دعينا لتمضية صباحية يطيب فيها ما لذّ من طعام وثرثرة من أطراف الكلام، تظللها وصلات من النكات والطرف المليحة وغير المليحة، مصحوبة بالقهقهات الفاقعات، والتسليّ بما يفعله بعض الأقارب دون أن يسلم الجيران… لوجدت القوم سارعوا إلى هذه وتلك دون أن يخطر ببالهم ما يعني لهم ولأولادهم ولمستقبلهم يوم الثالث من نوفمبر…
وحال أولئك كحال هؤلاء ممن اشتعلت في نفوسهم حمية الثأر، في أن ينتقم ممن قضّ مضجعه ليلة الأمس لهزيمة نكراء في لعب ” الورق، ودعي لجولة أخرى ينتظرها بفارغ الصبر علّه يسترد ما هتك منه على غير حقّ، لرأيته انصرف ملبيا دعوة الداعي على أن يلبي واجبه في المسؤولية يوم الثالث من نوفمبر …
أمثلة كثيرة، ولا يتسع المكان للوقوف على سردها ولا الولوج في أسباب تحليلها لا نفسيا ولا سلوكيا، وإن كانت ملامحها واضحة وأسبابها معروفة، فنحن تعودنا على أن لا نمسّ السياسة في أوطاننا حتى لا تمسنا بسوء، و قد درجنا على أن التعاطي بالشأن السياسي هو تعاطي عاق وملحد وأمر لعين، وأن الأنظمة غرست فينا خوفها المزمن ورعبها الدائم وإن كنا حتى في الولايات المتحدة الأمريكية، فتعودنا على الإستكانة واللامبالاة، وأصبنا بالعقد الدائمة والمستعصية حتى بتنا حريصين على ألا نسمع صوتنا إلا لمن يشاركنا الهواجس وحلبات الكلام ويبادلنا الصراخ الفارغ… أما وأن ننهض إلى صندوق الإقتراع لنترك هذا الصوت يفعل فعله في الخيار والإختيار، وفي صناعة الغد فهذه مسألة فيها نظر! أما وأن نساهم في صناعة قرار مدينتنا وأن نكون مشرّعين فيما يحمي مصالحنا ويعزز من قدرتنا على تفعيل مواطنيتنا فهذا شأن لا يعنينا !
ويسوء الأمر أكثر فأكثر عندما ترى البعض لا يبالي في الشأن الإنتخابي ولا بمردوده لأن لا كسب ولا مردود ملموس سريع، و لعل من سخرية الأمور حقا أن ترى من يسخر ممن يقف في الصف أمام صندوق الإقتراع ينتظر دوره ليدلي يصوته معتبرا الأمر مهزلة ومضيعة للوقت!
أما آن لنا أن نخرج من مورثاتنا البالية، ومن سخافات الأفكار المخزنة في لا وعينا، وأن ندرك أننا نعيش في بلد نستطيع أن نشارك ونصنع ونخلق من ذاتنا ذاتا جديدة! ذاتا تستفيد من مناخ الحوار والحرية، ومن عوامل الديمقراطية المتوفرة براحة في مختلف مرافق المؤسسات المدنية! آما آن الآوان لننطلق من قمقم الرطوبة العفنة التي توارثناها جيلا بعد جيل!!
ألم يخطر ببالنا فعل مقارنة ولو بسيط ونحن نرى أولادنا ينمون ونحن نصرّ على أن نقدم لهم أشياءا وصورا غير مفهومة وواضحة وهم الذين ينغرسون في رئتي هذا المجتمع، فيعجزون حقا عن تفسير ما يرون من صور ومسائل سلبية معكوسة !!
وأنا على ثقة أنهم لا ولن يفهموننا من خلالها، وهم يقارنون بعقولهم الصغيرة بين من يركض ويدافع ويجاهد ليدلي بصوته، ليأخذ حقه، وبين ما يراه من أقرب المقربين إليه من لا مبالاة ولا مسؤولية!
تعالوا إلى كلمة حق، وتعالوا إلى مواطنية حقيقية ما دمت اخترتم هذا البلد وطنا حتى لا تكون مواطنيتكم منقوصة ومجتزأة بل وزائفة!
تعالوا نتصالح مع ذاوتنا، مع حقيقتنا في تحديد خيارنا الصحيح، وأن نقول كلمتنا بكل وضوح في تحديد خياراتنا،
ليس المهم من تختار ولكن المهم أن تعرف كيف تختار، وأن تعوّد نفسك على مثل هذا الخيار، لأن تكون بدأت الرحلة في مسار مواطنيتك المسؤولة وفي مسار توطيد هويتك وثقافتك ، فتصير مشرّعا للقرار الذي يصنع مستقبل بنيك ومدينتك وأمتك ووطنك ….
ابدأ من الثالث من نوفمبر إن لم تكن قد حاولت بعد، لأنكِ بعدها لن تتوقف عن الإدلاء بصوتك أيا تكن النتيجة…
لأن الهدف هو أنت، ولأن الأساس في بناء وتفعيل جالية أمريكية عربية فاعلة ومؤثرة يبدأ منك أنت!
